حمار يقدم أوراق ترشحه للرئاسة

مقالان بقلم محمد عبد المجيد من وحي مأساة البرامج الانتخابية التي قدمها أكثر المرشحين
الأول حمار يقدم أوراق ترشحه للرئاسة
والثاني حمار يقدم شكوى إلى الرئيس




حمار يقدم أوراق ترشحه للرئاسة

في اللحظات الأخيرة وقبل اغلاق باب قبول أوراق الترشح لرئاسة الجمهورية، وبعد أن بلغ العدد نفس كمية الليمون لدى أحد الباعة الجائلين، شاهد المصطفون وقوفاً في حر القاهرة حماراً يجري لاهثا، ويقدم أوراقَ ترشّحه للسيد رئيس اللجنة الذي وقف مندهشا، لكنه اضطر لقبول أوراق الحمار ، فهناك سباق على المنصب والنصف مليون جنيه بالعملة المحلية.
لكن فضول رئيس اللجنة دفعه لسؤال الحمار، فدار بينهما الحوار التالي:

رئيس اللجنة: هل استوفيت الشروط اللازمة بتعقيداتها البيروقراطية والتعجيزية التي وضعها صاحب القرار الأوحد؟
الحمار: لا أعرف حتى الآن، ولكن معظم الواقفين لا يعرفون هُمّ أيضا!

رئيس اللجنة: هل تستطيع أن تجمع مئتين وخمسين صوتا من أعضاء مجلسي الشعب والشورى والمجالس البلدية؟
الحمار: قطعا لا أستطيع، لكنني هنا أقوم بدور المحلل لأكبر عملية تزييف في أوراق وطن، وكل الذين تراهم هنا يعلمون الدور الخسيس أو الساذج أو الأبله أو العبيط للترشح لجعل ست سنوات فاجعات حلالا لسيد القصر، ويستطيع أن يضع أصابعه في عيون من يدّعي أن العملية ليست ديمقراطية.

رئيس اللجنة: ولكن ماذا تستفيد أنت على المستوى الشخصي من الترشح لهذا المنصب منافسا العشرات ومنهم الفائز حتما وسلفا ويقينا وتأكيدا حتى قبل فتح الصناديق السحرية لأصوات الموتى والمغيبين المتمسكين بربع قرن من نهب الوطن، ويصرون عن سبق اصرار وترصد على اطلاق رصاصة الرحمة على أم الدنيا.
الحمار: حتى يعلم القاصي والداني أنني لا أختلف عن المترشحين في أي شيء باستثناء معرفتهم المسبقة بجريمة تبرير الجريمة، أما أنا فحمار تنطبق عليه شروط الترشح.

رئيس اللجنة: لكنك تعلم أنك لن تحصد أصواتا تزيد عن عدد أصابع اليدين والقدمين!
الحمار: وهل النتيجة المعلنة لنسبة نجاح السيد الرئيس هي الحقيقة؟ كلنا نكذب، ونضحك على الوطن، ونمارس بغاء الكلمة، ونعد لأنفسنا موقعا مميزا في جحيم الآخرة.
كلنا نشاهد أرض الكنانة يتم اغتصابها مئة مرة في اليوم، ونخلد إلى الراحة اللذيذة بعد يوم مهانة واذلال وعبودية، ثم نتمسك بالمغتصب، ونقدم له تبريرات، وندعي أن مصر عاقر لا تنجب أبطالا.

رئيس اللجنة: الشعب لا ينتخب حمارا في أحلك الظروف وأصعب فترات الزمن الأغبر الذي نعيش فيه
الحمار: لكن الحمار يستطيع أن يفرض نفسه، وسيصفق الناس لي لو حصلت على نسبة واحد وخمسين بالمئة.

رئيس اللجنة: إنك تطعن في شرف ونزاهة واخلاص هؤلاء المترشحين الأبطال الذين يمارسون حقهم الديمقراطي.
الحمار: أين كان هذا الحق منذ ربع قرن؟ هذا ليس حقا لكنها منحة ورشوة خسيئة ومعها نصف مليون جنيه وامتيازات أخرى. ما يحدث جريمة بكل المقاييس، والمجرم الأكبر هو من يدّعي أن اختفاء أو انحسار أو عدم ظهور منافسين حقيقين لصاحب السلطة الأولى والوحيدة يعني أن مصر عاجزة عن انجاب عبقري مثل قائد الضربة الجوية الأولى وفقا للحديث مع عماد الدين أديب.

رئيس اللجنة: لقد حيرني أمرك، هل تريد فعلا النجاح بعد حملتك الانتخابية أم هي نزاهة ووجاهة وخُيَلاء ليصبح اسمُك في المستقبل المرشحَ السابقَ لرئاسة الجمهورية، تماما كالوزير السابق والمحافظ السابق؟
الحمار: أنا لا يشرفني أن تستقبل السماوات لعنات أهل الأرض المظلومين والمعذبين والمعتقلين بهتانا وزورا بسببي، وأن أتحمل وزر الغلاء والبطالة والفساد والرشوة ونصف مليون مدمن وخمسة عشر مليونا من مرضى البلهارسيا والكبد الوبائي وتخريج ملايين من شباب الجامعة من أنصاف الأميين ....
ولا أحمل وزر الضوء الأخضر لاستيراد المواد المسرطنة واستمرار الرجل لعشرين عاما وهو يسمم أبناء الشعب تحت سمعي وبصري وبرضائي.
ولا أحمل وزر الصفر في كل المجالات من الاعلام إلى الادارة ومن الاقتصاد إلى كرامة المواطن.
إنني فخور لكوني حمار .

رئيس اللجنة: لكنك مثلنا تتحمل الاهانة والضرب والركل والتعذيب والجوع وتظل صامتا من مهدك إلى لحدك.
الحمار: لأن الله لم يخلق لي عقلا وايمانا وقوة وشجاعة واستخلافا في الأرض، أما أنتم ممن يصمتون خوفا أو طاعة أو سكوتا عن الحق، بل وتقدمون أحط التبريرات لاستمرار كارثة وطنكم فحسابكم أشد وأقسى وأغلظ من حساب من تخافون منه، أعني من تصنعون الخوف منه وهو نمر من ورق.

رئيس اللجنة: أنت وقح وسأعمل على عدم قبول أوراق ترشحك وسأبلغ كمال الشاذلي وصفوت الشريف وجمال مبارك أن هذا الحمار لم يستوف الشروط القانونية التي وضعها السيد الرئيس.
الحمار ناهقا: وأنا أسحب الآن أوراق ترشحي حفاظا على كرامتي، مع افتراض أنك وهؤلاء الواقفين تعرفون قيمة الكرامة في وطن لم تعد فيه كرامة.

وانسحب الحمار تاركا رئيس اللجنة والمترشحين المئة في وجوم ودهشة، لكن أحدا منهم لم ينسحب، فالمبلغ المرصود يسيل له اللعاب، ولقب المرشح السابق لرئاسة الجمهورية تتفتح أمام صاحبه أبواب كثيرة كانت مغلقة دونه، والفائز الحقيقي يجلس في قصره يضحك حتى أغرورقت عيناه من مشهد السيرك، لكنه للحقيقة كان يحمل احتراما شديدا للحمار الذي انسحب حفاظا على كرامته.


حمار يقدم شكوى إلى الرئيس حسني مبارك

سيدي الرئيس،
لن أطيل عليك لمعرفتي المسبقة بأن وقتَك الثمينَ لم يعد ملكا لك وحدك، فهو موزعٌ ما بين اتصال من الدكتور ماير في ميونيخ للاطمئنان على صحتك، وعلى أن عزرائيل لن يقوم بزيارة مفاجئة إلى شرم الشيخ أو قصر العروبة أو قصر عابدين، وما بين انشغالك في تحديد نسبة نجاحك في الانتخابات ولعلك ترى أن 87% قد تكون مُرْضية للدكتورة كوندي، وما بين زيادة الطلبات من الذين لم ينهبوا من الوطن ما يكفيهم في ربع القرن المنصرم ويريدون بقية الكعكة المصرية، ورهن قناة السويس أو حقول البترول أو احتياطيات الوطن المسكين مما بقي في مصارفه المنهوبة.
لكنني واثق أنك ستأخذ بعين الاعتبار تلك الشكوى التي يتعرض لها حمار صابر تحمل ظهرُه آلاف اللسعات من كرباج أشد وأقسى الساديين غلظة، تماما كما يفعل رجالك وكلابك مع المواطنين المصريين الذين يقع حظهم العاثر في قبضة رجال أمنك داخل أحد أقسام الشرطة أو في مظاهرة مناهضة لاستبدادك أو في زنزانة بقبو تحت الأرض في أحد سجونك ومعتقلاتك الممتدة في وادي النيل الخالد .. من حلايب إلى الثغر.
لقد تقدمت، سيدي الرئيس، بطلب الترشح للرئاسة، وأستوفيت كل الشروط، وكانت أوراقي سليمة، وليس لدي أي برنامج فأنا لا أختلف عن الحمقى والمغيبين والهُبل والمتخلفين الذين اصطفوا لتسجيل ترشحهم لأهم منصب في مصر، رائدة التقدم في عهدك الميمون كما يقول رؤساء تحرير الصحف القومية في ما نشيتاتهم العريضة التي لا يصدقها إلا حمار أو مجنون.

وقفت في الصف الطويل واستمعت لبعض أولويات المترشحين والمترشحات، وكم كانت سعادتي غامرة لأنني خُلقْتُ حمارا يحترم نفسه ويحافظ على كرامته أفضل من كثير من الذين كانوا أمامي وخلفي ننتظر الطلعة البهية للسيد رئيس لجنة قبول الترشيحات للرئاسة.
قال أحدهم بأن أول شيء سيفعله هو اجبار المصريين على ارتداء الطربوش رمز الدولة العثمانية، وقال ثان بأنه عاطل عن العمل لكن مشروعه لمستقبل مصر يهدف إلى أن يجد ابنه عملا عندما يكبر، وقال ثالث بأنه يرشح نفسه للتشرف بالسلام على الرئيس مبارك عندما يكون منافسا له، وقال رابع بأنه في عطلة قصيرة لمصر ويريد أن يقوم بعمل شيء ( كالذي يريد أن يأكل بطاطس محمرة مثلا أو أكلة سمك على البحر )، وسحبت خامسة استمارة الترشح وقيل لها بأن المترشح ينبغي أن لا يقل عمره عن أربعين وهي في الثلاثين فهزت رأسها وقالت: سأتقدم بطلبي في كل الأحوال، وقالت سادسة بأنها ترشح نفسها للتأكد من امكانية وصول المرأة للحكم في مصر، وقالت سابعة بأنها تريد أن تكون رئيسة للجمهورية لأن زميلاتها في العمل يرون أنها تتحدث مع الجميع!
استمعت، سيدي الرئيس، لمنافسيك الذين تم الاتفاق معهم سلفا لعمل المسرحية، وازداد اعتزازي وفخري بكوني حمار أكثر رقيا من منافسيك، وتحضرا من هؤلاء البلهاء الذين مثلوا أسخف مسرحية في العصر الحديث، وتكاد تتفوق على حلقاتك الثلاث مع عماد الدين أديب التي حاولوا بها رفعك إلى السماء الرابعة فأنزلوك للأرض الخامسة.
بعد نقاش احتدم بيني وبين رئيس اللجنة، قال لي بأنه سيتحدث مع صفوت الشريف وكمال الشاذلي ويوحي لهما برفض طلبي لأنني حمار مجادل وهم يبحثون عن إنسان مطيع.
إنني أعلم، سيدي الرئيس، أن الترويكا المكونة من كمال الشاذلي وزكريا عزمي وأسامة الباز وصفوت الشريف وفتحي سرور ويربطهم من رقابهم ابنك السيد الرئيس الشاب جمال مبارك تمسك البلد من نهرها إلى بحرها، لكنني لا أفهم كيف سيقنع رئيسُ اللجنة أحدَ أعضاء الترويكا بأن الحمار أقل شأنا من المترشحين الآخرين؟

سيدي الرئيس،
إنني أستطيع أن أكون زعيما مثاليا تصفق له الجماهير، ويمتدحه الإعلام، وتتوقف البلد لدى مرور موكبه المهيب، ثم تتوقف مرة أخرى لدى عودته من نفس الطريق.
إنني لا أفهم في الادارة السليمة، ولا أقرأ، ولا أكترث بالآخرين، وأسمع ملايين المصريين يتوجعون ويصرخون ويبكون دما ولا أتحرك قيد شعرة.
إنني استطيع أن أمنح اللصوص والنصابين والحيتان صكوكا بملكية الوطن دون أن يرف لي جفن واحد، وأن أظل صامتا، وإذا تحدثت فهراء وخزعبلات يلمعها الإعلام، ويزركشها المنافقون، ويؤهلها لمسامع الحمقى مثقفون متزلفون جبناء.
قل لي بشرفك، سيدي الرئيس، هل هناك شيء صعب يقوم به السيد الرئيس أو يحتاج لعبقرية أو ذهن آينشتايني بارع؟
ستقول لي: مشروع توشكى، وكباري القاهرة الكبرى، وفيلات الأغنياء في مارينا، وحفلات التلفزيون ومسلسلاته، وصفقة الغاز مع إسرائيل، ووضع مئات الجنود على حدود رفح، ومزارع يوسف والي التي اخترقت أجساد المصريين كما فعلت البلهارسيا وأمراض الكبد والغلاء والبطالة!
إنني ألجأ إليك لتنصفني، وتطلب من السيد كمال الشاذلي الذي يعد نفسه لست سنوات أخريات عن يمينك أن يقنع رئيس اللجنة بقبولي الترشح.
أما نصف المليون جنيه المرصودة لحملة الانتخابات فأنا أتنازل عنها، ولا تزال ثقتي بالانتصار لا حدود لها، فشعب مصر العظيم الذي لا يزال عشرات الملايين منهم يفضلون مَنْ أذلهم وأهانهم وفرّغ بلدهم من خيراتها وسَلّط عليهم شياطين الإنس، وبَلّدَ مشاعرهم، وضّخَمَ خوفهم، وعَمّق لذةَ الاستعباد والخنوع في نفوسهم، وجعل الكلمةَ الحاسمةَ والصارخة والفاضحة للاستبداد لا معنى لها، ولا تأثير لآلاف المقالات والتحقيقات والصور والحقائق، هذا الشعب لن يتأخر عن منحي، في حالة قبول ترشحي، أصواتا قد تهدد نجاحك، وتجعل أعضاء الحزب الوطني يبللون سراويلهم من هول المفاجأة.
إنني أقدم لك، سيدي الرئيس، شكوى في رسالة مفتوحة، وقد أضطر للجوء لأحد المحامين المتخلفين الذين يرفعون قضايا في أي شيء ضد أي شيء، ليساعدني في الحصول على حقي في المساواة الكاملة والعادلة بيني وبين منافسيك.
لو كنت مواطنا مصريا لما لجأت إليك، فأنت لم تنصف أيا من مواطنيك طوال ربع قرن، وأذقتهم الويل وكل عذابات الأرض، وسلطت عليهم من لم يرحمهم، وفتحت لهم جحيم الدنيا، وجعلتهم يلعنون سنوات طويلة تحول الوطن الطيب فيها إلى سرادق عزاء، وانتقمت منهم كأن ثأرا أبديا يجري في جسدك مجرى الدم، لكنني لست منهم، فأنا حمار ألتزم الصمت مهما كان وقع لَسَعات السوط فوق ظهري، إنما إذا أتيحت لي الفرصة، أمتنع مطلقا عن منح صوتي الانتخابي للراكب فوق ظهري، هذا هو الفارق بيني وبينهم!
فهل تنصفني؟

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

ليست هناك تعليقات: